النويري

2

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، شهادة عبد نطق بها لسانه وقلبه ، وأنس بها ضميره ولبّه . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي جعلت له الأرض مسجدا وترابها طهورا ، وأنزل عليه : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً وداعِياً إِلَى الله بِإِذْنِه وسِراجاً مُنِيراً ) * . صلَّى اللَّه وسلَّم عليه وعلى آله الذين رقوا بنسبهم إليه أعلى المراتب ، وتسنّموا من ذروة الشرف والثناء كاهل الكواكب ، وعلى أصحابه الذين اتّطدت بهم قواعد الشريعة وعلا منارها ، وهدمت معاقل الكفر وعفت آثارها ؛ وأنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ، وجالدوا في دين اللَّه وجادلوا : صلاة ترفع منار قائلها ، وترسل عليه سحائب المغفرة بوابلها ! وبعد ، فمن أولى ما تدبّجت به الطروس والدفاتر ، ونطقت به ألسنة الأقلام عن أفواه المحابر ؛ وأصدرته ذوو الأذهان السليمة ، وانتسبت إليه ذوو الأنساب الكريمة ؛ وجعله الكاتب ذريعة يتوصّل بها إلى بلوغ مقاصده ، ومحجّة لا يضلّ سالكها في مصادره وموارده : فنّ الأدب الذي ما حلّ الكاتب بواديه ، إلَّا وعمرت بواديه ؛ ولا ورد مشارعه ، إلَّا واستعذب شرائعه ؛ ولا نزل بساحته إلَّا واتّسعت له رحابها ، ولا تأمّل مشكلاته إلَّا وتبيّنت له أسبابها . وكنت ممن عدل في مباديه ، عن الإلمام بناديه ؛ وجعل صناعة الكتابة فننه الذي يستظلّ بوارفه ، وفنّه الذي جمع له فيه بين تليده وطارفه . فعرفت جليّها ، وكشفت خفيّها ؛ وبسطت الخرائد [ 1 ] ونظمت منها الارتفاع ، وكنت فيها كموقد نار على

--> [ 1 ] لعلها : الجرائد . أي جرائد الحسبانات التي يستخرج منها الارتفاع أي مقدار الإيراد . وبقية الكلام تدل على ذلك لأنه استعار اصطلاحات أهل الحساب .